فخر الدين الرازي

308

المطالب العالية من العلم الإلهي

قوله : « لو كان غنيا عنها لكان قائما بنفسه ، ولم يكن صفة لتلك الماهية » قلنا : ألستم تقولون : إن الصورة علة لوجود المادة « 1 » ، مع أن الصورة حالة في المادة ، وما يكون علة لوجود الشيء ، يكون غنيا عن ذلك المعلول في وجوده ، فالصورة غنية في وجودها عن المادة ، مع أن الصورة حالة في المادة ؟ فلم لا يجوز أن يقال : إن ذلك الوجود غني عن تلك الماهية ، ومع كونه غنيا عنها ، فإنه يكون حالا فيها ؟ وتقرير الكلام من وجهين : الأول : أن يقال : الوجود وإن كان غنيا في نفسه عن تلك الماهية ، إلا أنه علة لكونه حالا في تلك الماهية ، وعلى هذا التقدير فالوجود مع كونه غنيا عن تلك الماهية ، يكون حالا فيها . أو يقال : تلك الماهية توجب كون [ ذلك ] « 2 » الوجود حالا في تلك الماهية ، فهذان الاحتمالان قائمان ، وكل واحد منهما لا يقدح في كون الوجود حالا في الماهية مع كون الوجود غنيا عن الماهية . وبهذين الطريقين جوزنا كون الصورة علة لوجود المادة ، مع كون الصورة حالة في المادة . هاهنا . الوجه الثاني في الجواب : سلمنا أن بتقدير أنه يجب حصول ذلك الوجود [ في تلك الماهية ، فإنه يلزم كون الوجود ] « 3 » مفتقرا إلى تلك الماهية ، ويلزم من كون الوجود مفتقرا إلى الماهية كون الوجود ممكنا ، إلا أنا نقول : هاهنا دليل يمنع كون الوجود موصوفا بالإمكان . وتقريره : وهو أن ممكن الوجود هو الذي لا يمتنع كون حقيقته حاصلة مع الوجود تارة ، ومع العدم أخرى . وهذا المعنى لا يعقل في حق الوجود ، لأنا لو قلنا : إن ماهية الوجود تارة تحصل مع الوجود ، وأخرى مع العدم ، لزم كون الوجود على أحد التقديرين موصوفا بوجود آخر ، وعلى التقدير الثاني يكون موصوفا بالعدم . وكل ذلك [ محال ] « 4 » أما الأول فلأنه يلزم اجتماع الوجودين للشيء الواحد . وأيضا : فلا يكن أحدهما

--> ( 1 ) الماهية ( س ) . ( 2 ) من ( س ) . ( 3 ) من ( ز ) . ( 4 ) من ( س ) .